ابن المقفع
162
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
ومن أشدّ جهلا وأقطع عذرا ممن لم يعرف النعمة ولم يقبل العافية ، نعوذ باللّه أن نكون من الذين لا يعقلون ، فتفهموا ما أنا ذاكر لكم ، وتدبروه بالحق والعدل ، فإن المرء ناظر بإحدى عيون ثلاث ، وهما الغاشّتان والصادقة وهي التي توجد : عين مودة تريه القبيح حسنا ، وعين شنان « 1 » تريه الحسن قبيحا ، وعين عدل تريه حسنها حسنا ، وقبيحا قبيحا . فتفتكروا في ما جمع اللّه لأمير المؤمنين في معدنه وفي سيرته ، وفيما ظاهر عليكم من النعمة والحق والحجة ، بذلك في ما عسى القائل أن يبتغي فيه المغمز والمقال فلعمري إن الشيطان من أهواء الناس وألسنتهم في الأمر المصيب . . . وإن له لمستراحا حين يستوفي أمنيته ، ويصدق عليهم ظنّه ، ويوحي إليهم بمكايده ، فيجعل اللّه كيده ضعيفا ، وحزبه مغلوبا ، وجعله وإياهم نصيبا لجهنم من أجوائه المقسومة ، لأبوابها وحطبها ووقودها وحصبها « 2 » ، ليعد لها . فمن كان سائلا عن حقّ أمير المؤمنين في معدنه ، فإن أعظم حقوق الناس منزلة ، وأكرمها نسبة وأولاها بالفضل ، حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نبيّ الرحمة وإمام الهدى ووارث الكتاب والنبوّة والمهيمن عليهما وخاتم النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، بعثه اللّه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، ثم هو باعثه يوم القيامة مقاما محمودا ، شرع اللّه به دينه وأتمّ به نوره على عهده ومحق به رؤوس الضلالة وجبابرة الكفر وخوّله الشفاعة وجعله في الرفيق الأعلى صلى اللّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) عين شنان : عين بغضاء . ( 2 ) الحصب : كل ما يرمى في النار كالحطب .